الخطوة 1: إتّباع النهج المركّز

لدى تحديد الأولويات المتعلقة بالسياسات، على منظمات أصحاب العمل الانطلاق من مبدأ أن الحكومات تعاني قيوداً إدارية وسياسية وأن لديها رأسمال محدود تنفقه على صنع السياسات. وحتى ولو كانت الحكومات ملتزمة بقوة باستراتيجيات تعزيز النمو، فليس بوسعها فعل الكثير. ولذا فإن فرض قائمة طويلة من الإصلاحات على الحكومات سيؤدي إلى الإحباط والتأخير، ما يفرض في نهاية المطاف – وهو الأمر الأخطر - قيوداً ضخمة على المشاريع بحيث لا تنال الاهتمام الذي تستحقه على مستوى السياسات.

إذًا تحتاج استراتجيات منظمات أصحاب العمل إلى إدراك الأولويات. ويقضي النهج المطلوب بالتركيز على مجموعة محدودة من القيود الفعلية المفروضة على قطاع المشاريع التجارية (ما يعني عدم تناول العوامل كافة)- التي يمكن معالجتها بشكل واقعي ضمن فترة زمنية محددة.

إن هذا النهج -المعروف بـ"إطار القيود الملزمة"  [1] يستند إلى تحديد أهم المعوقات في الاقتصاد في مرحلة زمنية معينة، وإلى تركيز الجهود من أجل التخفيف من هذه القيود القليلة، ضمن قدرة منظمة أصحاب الأعمال واختصاصها.

ويستند هذا الإطار على فكرة أن مجموعة المبادئ الأساسية [2]  مثل احترام حقوق الملكية، وإطار الاقتصاد الكلي السليم، وحماية المستثمر، إلخ إلى جانب استراتيجيات النمو الخاصة بكل بلد، قد تنجح أكثر في تهيئة البيئة المؤاتية للمشاريع المستدامة والتنمية والنمو الشامل.

1.1 لماذا يعتبر النهج المركّز لأعمال الدعوة منطقياً؟

يتطلب تنفيذ سياسات النمو الناجحة إلى جانب المؤسسات الاقتصادية والسياسية والتنظيمية اللازمة لدعمها، فترة طويلة من الزمن. 

ويمكننا هنا أن نأخذ مثل النظام المالي العصري: فإنّ أداءه يعتمد على فئات مختلفة كثيرة من الناس والمؤسسات التي يفترض بها، في مجموعها، أن تتيح التخصيص الفعال لرؤوس الأموال وتشتيت المخاطر. وتضم القائمة على سبيل التعداد لا الحصر: محامي الأوراق المالية والشركات والمؤسسات الرقابية وقوانين الإقرارات المالية لمعالجة الثغرات المعلوماتية وعدم التماثل في الكثير من الأسواق المالية، وقوانين الأوراق المالية والاستثمار، والمصرفيين الاستثماريين والتجاريين، والبنوك ومدراء المحافظ المالية، والتجار والمحللين ووكالات الوساطة، ومدراء المخاطر، والهيئات الخاصة للمتاجرة بالأسهم، والمهنيين وأسواق السندات الحكومية والتجار وبنك مركزي مستقل وكفؤ. ويتم إنشاء هذه المؤسسات والأطر على امتداد فترة النمو الاقتصادي والتنمية ويستوجب تحقيقها عقوداً طويلة من الزمن.  [3]

أمّا أن نقترح ببساطة أن تحاول البلدان النامية تقليد ما يجري في البلدان المتقدمة وفي إطار زمني محدود جداً في مجالات السياسة المختلفة، فهو حل غير فعّال. فإن الجهد ورأس المال السياسي المطلوبان كبيرين جداً على الإدارات السياسية التي تكون في أحيان كثيرة محدودة للغاية.

إذاً النهج القائم على "فعل كل شيء" يعتبر أجندة إصلاحية مفرطة الطموح؛ زد على أنه لا يبيّن لصانعي السياسات "أين يجب أن يبدأوا" ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى استنفاذ الجهود السياسية على عدد كبير جداً من المجالات المختلفة . وقد أدى ذلك أيضاً إلى إصلاحات غير متقنة وغير مستدامة. وتطبّق الممارسات والتشريعات المستوحاة من البلدان المتقدمة التي تعتمدها منذ فترة طويلة بطريقة متراخية لا تراعي تطبيقها العملي أو كلفتها الفعلية أو، الأهم من هذا كله، استدامتها. [4]

ستكون هناك دائماً قضايا جديدة تنشأ بشكل غير متوقع وتتطلب اهتماماً فورياً ولكن على منظمة أصحاب العمل أن تتجنب تناول عدد كبير جداً من القضايا دفعة واحدة إذ قد لا تحظى أية من تلك القضايا بالاهتمام الذي تستحقه وهكذا سيبوء معظمها بالفشل. إن معالجة قضية معينة من بدايتها ووصولاً إلى صياغة السياسة والدعوة بخصوصها تتطلب جهداً كبيراً وموارد ضخمة من أجل القيام بالأبحاث وإعداد الاقتراحات الجذابة على مستوى السياسات ناهيك عن الجهود المطلوبة للقاء المسؤولين الرسميين والسياسيين والتأثير عليهم. ولكن هذا لا يعني أن تتخلى منظمة أصحاب العمل عن القضايا الأخرى كلها فقد يكون ذلك خطأ فادحاً: فما زال على المنظمة أن تستجيب للقضايا اليومية ولا تزال بحاجة إلى معالجة القضايا الملحة لأعضائها وتبنّي سياسات على المدى الأبعد، أما هذا الدليل الإرشادي فسيساعدها على هذا الصعيد. ولكن الأهم من هذا كله هو أنها بحاجة إلى تركيز جهودها من أجل تحقيق نتائج ملموسة في ما يتعلق بالسياسات.

2.1 تحديد الأولويات على صعيد الجهود

ينبغي لمنظمة أصحاب الأعمال التركيز على الأنظمة والتشريعات الأكثر إلحاحاًً، وأن تركّز فقط على المقترحات التي يُتوقع أن تمارس التأثير الأكبر على المشاريع التجارية.

وعلى منظمة أصحاب العمل أن تركّز على تقدير طبيعة المشكلة الواجب حلّها وحجمها من خلال اللوائح أو السياسات. وينطوي الأمر على تحديد ما يلي:

  • ما هو القطاع (أو القطاعات) الأكثر تأثراً؟
  • من سيتأثر أكثر، المشاريع الصغرى أو الكبرى؟
  • ما هي طبيعة ذلك التأثير على كل قطاع؟
  • ما حجم هذه التأثيرات؟
  • هل ستؤثر بشكل أكبر في المشاريع التي تملكها نساء؟
  • إلى متى ستدوم هذه الآثار؟

[1] هذا الإطار مقتبس عن مشروع لداني رودريك، ريكاردو هوسمان وأندريس فيلاسكو في معهد جون ف. كينيدي للإدارة الحكومية، جامعة هارفارد: http://www.hks.harvard.edu/fs/drodrik/GrowthStrategies.pdf

[2] يرد في منشور لمنظمة العمل الدولية /مكتب أنشطة أصحاب العمل بعنوان Role of the EO in Growth and sustainable enterprise promotion  ـ 2010.

[3] محمد العريان ومايكل سبنس: استراتيجيات النمو وحيوية: رؤى من التجارب القطرية ، واشنطن العاصمة، واللجنة المعنية بالنمو والتنمية، 2008. 

[4] ريكاردو هوسمان، بايلي كلينغر، رودريغو فاغنر: ‘Doing growth diagnostics in practice: A mindbook’ ريكاردو هوسمان، بايلي كلينغر، رودريغو فاغنر، 2008، مركز التنمية الدولية، جامعة هارفارد، سبتمبر/أيلول/2008.